أخبار

رفقاً الديار أصبحت صامته

رفقاً الديار أصبحت صامته

رفقاً الديار أصبحت صامته
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​رويدك أيها العابر، قف واسترح قليلًا قبل أن تطأ بقديمك الثرى، وتمهل في خطاك حين تمر بهذه الديار الصامتة؛ فهي لم تكن يوماً مجرد أحجارٍ صماء، بل كانت ملاذاً ومستقراً لمن كانوا زينة البشر، وضياء الأعين، وبهجة الروح. إنك بحركتك هذه، لا تمشي على الأرض، بل تكاد تطأ بأقدامك أوتار قلبي المشدودة على رصيف الانتظار، فرفقاً بقلبٍ أتعبته المسافات، وتهادَ في مشيتك كنسيم الفجر، والتقط أنفاسك بهدوء، لعلّ السكينة التي تسكن روحك تمنحني فرصة لأطوي معك صفحات الأيام الخوالي، وأستعيد بقربك زمناً ظننته قد ولى وانقضى.
​قف ملياً، يا من جئت على قدرٍ، عند محطتي الأخيرة هذه؛ فأنت لست عابراً عادياً، بل أنت المرفأ الذي قررت أن ترسو عنده سفن حياتي، وأنت المحطة الختامية في رحلة وصولي الطويلة. أدرك تماماً أنه من بعدك، لن تشرق شمس الصبا من جديد، بل ستُعلن شيخوخة العمر وقارها على ملامحي، ويذوي ربيع الشباب خلف قضبان الغياب.
​لم يكن ما يربطني بك مجرد عاطفة عابرة أو حباً تذروه الرياح، بل كان حكماً قاطعاً بالاعتزال؛ نعم، لقد آليت على نفسي أن أعتزل الدنيا وما فيها، وأتخلى عن كل ما يميل إليه قلبك أو يصبو إليه خيالك، زاهداً في كل الوجوه التي عرفتها قبلك، وناسياً في حضرة طيفك كل ما مضى من ذكريات وتفاصيل، وكأن العمر لم يبدأ إلا حين التقت عيناي بعينيك.
​وفي غمرة هذا الصمت، تخنقني دمعة حائرة تسأل بمرارة: كيف كان حالي وأنا أقف مبهوراً في محراب جمالك الطاغي؟ وكيف تاه العقل مني، وضلّت البصيرة مسالكها، وهوّم الخيال في ملكوت حسنك دون هدى؟ لقد كان سحراً فاق التصور، وجمالاً أذهل اللب وجعلني أسير الحيرة والذهول.
​لذا، أناشدك ثانيةً تمهل إن سرت في هذه الطرقات الموحشة، وتلطف بخطواتك حين تتجول حيث ترقد الرفات وتستريح الأجساد تحت طيات الثرى. ففي تلك اللحظة التي تقترب فيها، ستثور في صدري طبول النبضات، وتتسارع دقات قلبي معلنةً في أرجاء الروح أن قدومك قد حان، وأن طيفك الذي انتظرته طويلاً قد بات على مشارف الوجدان، ليعيد للحياة نبضها وللديار هيبتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى